*✍🏼 منجد شريف*
لم يكن الانهيار الاقتصادي في لبنان حدثاً مفاجئاً ولا نتيجة أزمة عابرة، بل هو حصيلة تراكم طويل من السياسات الخاطئة، والفساد البنيوي، ونظام سياسي طائفي حوّل الدولة إلى غنيمة، والاقتصاد إلى أداة صراع داخلي وخارجي.
وبينما تُختزل الأزمة اليوم بعناوين نقدية ومالية، فإنّ جوهرها أعمق بكثير، ويكمن في طبيعة النظام الذي حكم لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية،
وفي طريقة إدارة الخارج لملفه وفق مصالحه لا وفق مصلحة شعبه.
الفساد في لبنان لم يكن انحرافاً عن القاعدة، بل أصبح القاعدة نفسها. فقد أُديرت الدولة على أساس المحاصصة الطائفية، حيث جرى توزيع الوزارات والإدارات العامة كمكافآت سياسية، لا كمؤسسات خدمة عامة. تحوّلت الكهرباء، الاتصالات، المرافئ، الأملاك البحرية، المحروقات، والصفقات العمومية إلى مصادر هدر منظّم، محمية بتوازنات طائفية تمنع المحاسبة.
الأخطر أنّ هذا الفساد كان عابراً للطوائف، لكنه مُغلّف بخطاب طائفي يُستخدم لتبرير الفشل وحماية المرتكبين، فكلّ محاولة مساءلة كانت تُواجَه باتهامات الاستهداف، ما عطّل القضاء وكرّس الإفلات من العقاب.
إنّ مكمن الخلل الأساسي لا يكمن فقط في الأشخاص، بل في النظام السياسي الطائفي نفسه، الذي منع قيام دولة حديثة قائمة على المواطنة والكفاءة. هذا النظام عطّل قيام سلطة تنفيذية موحّدة، وشلّ القرار الاقتصادي بتحويله إلى توافقات طائفية،
ومنع أيّ إصلاح جذري خوفاً من اختلال التوازنات، فباتت الدولة عاجزة عن اتخاذ قرارات إنقاذية، وتحوّلت المؤسسات إلى ساحات نفوذ بدل أن تكون أدوات إدارة.
منذ مؤتمرات باريس وصولاً إلى سيدر، تدفقت الوعود والمليارات على لبنان من دون أيّ معالجة فعلية لأسباب الهدر والفساد. ضُخّت الأموال في نظام مثقوب، فتبخّرت في مشاريع غير منتجة، أو في خدمة الدين، أو في زبائنية سياسية، من دون بناء اقتصاد حقيقي. وكان المجتمع الدولي على علم بطبيعة هذا النظام، لكنه فضّل الاستقرار الشكلي على الإصلاح الحقيقي، إلى أن انهار الهيكل بكامله.
ولا يمكن فصل الانهيار المالي عن الضغط الخارجي والحصار غير المعلن المفروض على لبنان، والذي ارتبط مباشرة بدور حزب الله الإقليمي.
استُخدم الاقتصاد اللبناني كأداة ضغط عبر التضييق المالي والمصرفي وتعليق المساعدات وربط أيّ دعم بشروط سياسية تتجاوز الإصلاحات الاقتصادية.
لم يكن الهدف اقتصادياً بحتاً، بل سياسياً بامتياز، يقوم على محاولة تقويض حزب الله عبر استنزاف بيئته الاجتماعية وتأليبها، وتحريك البيئات المناوئة له في اتجاه مواجهة داخلية، ما وضع لبنان في قلب صراع إقليمي على أرضه.
أما الحراك الشعبي، فانطلق من وجع معيشي حقيقي ومشروع، لكن سرعان ما جرى اختراقه واستثماره سياسياً. رُفعت شعارات محقة عن الفساد والعدالة الاجتماعية، غير أنّ الغضب الشعبي وُجّه في مراحل عديدة نحو أهداف سياسية محددة،
وتحوّلت الأزمة الاقتصادية إلى منصة لتصفية حسابات داخلية وخارجية، حيث تلاقت مصالح قوى مأزومة في الداخل مع أجندات إقليمية ودولية، فيما حاولت منظومة الفساد إعادة إنتاج نفسها بثوب التغيير.
إنّ الخروج من الأزمة لا يكون بمؤتمرات دعم بلا إصلاح ولا بثورات تُدار من الخارج. الخلاص الحقيقي يبدأ بتفكيك النظام الطائفي السياسي، وبناء دولة قانون قائمة على المحاسبة الفعلية، وحماية الاقتصاد من التحوّل إلى أداة ضغط سياسي، وإعادة تعريف العلاقة مع الخارج على أساس السيادة لا الوصاية.
فلبنان لا يعيش أزمة مالية فحسب، بل أزمة نظام متكاملة، وكلّ محاولة للإنقاذ من دون معالجة هذا الخلل البنيوي، لن تكون سوى تأجيل لانهيار جديد، أشدّ قسوة وأعمق أثراً، وسنعيد الكرة في كلّ مرة لننتج ذات الأزمات ولو بعناوين مختلفة…
#لبنان
#الانهيار_الاقتصادي
#أزمة_نظام
#الفساد_السياسي
#المحاسبة
#السيادة
#الاقتصاد_السياسي
#لبنان_إلى_أين
#منجد_شريف
#جريدة_البناء@
عندما تتفكّك الدولة بالطائفية والفساد والحصار!




